الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
304
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
أقول : والمستفاد منه أن حقيقة الذكر التي هي حضور المذكور فرع العلم والمعرفة بالمذكور ، وحيث إنه تعالى أعلم وأعرف بنفسه من غيره فذكره تعالى خير الذاكرين أي أتم من ذكر الذاكرين ، وأما ذكر غيره تعالى من عباده فبالوجه الذي به أي بذلك الوجه يذكر المذكور ( أي الله تعالى ) فذكر غيره تعالى له تعالى لا يكون إلا بالوجه ، وهذا الوجه هو حقيقة الأسماء الحسني الإلهية ، وحيث إنه ثبت في محله أنهم عليهم السّلام وجه الله الذي لا يهلك ولا يبيد ، كما وردت به أحاديث في ذيل قوله تعالى : كلّ شيء هالك إلا وجهه 28 : 88 ( 1 ) ، وسيأتي بيانها في شرح قوله عليه السّلام : " ومن قصده توجه بكم " . فلا محالة هم الذين يذكرون الله بالوجه الأتم ، لأنهم عليهم السّلام حقيقة تلك الأسماء ، والمشاهدون لأنوار جماله وجلاله بحيث لا يساويهم في هذه الرتبة أحد ، وأما من سواهم ، فمن كان أعرف به تعالى وأعلم به تعالى تحقق في قلبه من أسمائه الحسني بنحو أوجب معرفته به تعالى من سنخ معرفتهم عليهم السّلام به تعالى ، فهو بتلك المرتبة الموجبة لتحقق الوجه الإلهي لهذا العبد ، فهو ذاكر له تعالى بتلك المرتبة . ومن المعلوم أن تحصيل الذكر بالوجه ، وبتلك الأسماء الحسني الإلهية لا يكون إلا ببيانهم ، بل وإلا بإعطائهم وتسديدهم وتنويرهم عليهم السّلام القلوب ، ولا يكاد يحصل هذا إلا بالتوسل بهم وبالسلوك الصحيح الشرعي . وبعبارة أخرى : أن ذكره تعالى بالوجه بالأسماء والأدعية المأثورة عنهم ، وخصوصا بالقرآن الكريم ، وإن كان بيانا لذكره تعالى إلا أن الحقيقة منها ، والسير في مراتبها ، لا يكون إلا لمن كان مهذّبا وسالكا سبيل الشرع ، ومتخلقا بأخلاق الله تعالى ، ومنزها نفسه من الصفات الرذيلة والعلائق المادية ، فهذا يمكنه ذكره تعالى بتلك الأسماء والأذكار حسب تصفية باطنه وأنسه به تعالى كما لا يخفى ، والناس في هذه الحالات متفاوتون جدا كما لا يخفى .
--> ( 1 ) القصص : 88 . .